سيد محمد طنطاوي

77

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقون فاحذروا التعرض لعقابه ، وقوله وإِلَيَّ الْمَصِيرُ تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه . هذا ، ولبعض العلماء كلام طويل عن التقية - وهي أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن مخافة الأذى الشديد - فقد قال الآلوسي ما ملخصه : « وفي الآية دليل على مشروعية التقية ، وعرفوها بالمحافظة على النفس أو العرض من شر الأعداء . . والعدو قسمان : الأول : من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم . والثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والإمارة ، ومن هنا صارت التقية قسمين : أما القسم الأول فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له فيه أن يظهر دينه لتعرض المخالفين له بالعداوة فإنه يجب عليه أن يهاجر من ذلك المكان إلى مكان يستطيع فيه أن يظهر دينه ، إلا إذا كان ممن لهم عذر شرعي كالنساء والصبيان والعجزة فقد قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّه واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيراً . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللَّه أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ، وكانَ اللَّه عَفُوًّا غَفُوراً . وإذا كان التخويف بالقتل ونحوه جاز له المكث والموافقة لهم ظاهرا بقدر الضرورة مع السعي في حيلة للخروج والفرار بدينه . والموافقة لهم حينئذ رخصة ، وإظهار ما في قلبه عزيمة فلو مات مات شهيدا بدليل ما روى من أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال لأحدهما : « أتشهد أن محمدا رسول اللَّه ؟ قال : نعم ، نعم ، نعم فقال له : أتشهد أنى رسول اللَّه ؟ قال : نعم . ثم دعا الثاني فقال له أتشهد أن محمدا رسول اللَّه ؟ قال نعم . فقال له : أتشهد أنى رسول اللَّه ؟ قال إني أصم ، قالها ثلاثا ، فضرب عنقه ، فبلغ ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : « أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه فهنيئا له . وأما الآخر فقد قبل رخصة اللَّه فلا تبعة عليه » . وأما القسم الثاني وهو من كانت عداوته بسبب المال والإمارة وما إلى ذلك ، فقد اختلف في وجوب هجرة صاحبه ، فقال بعضهم تجب لأن اللَّه قد نهى عن إضاعة المال . وقال آخرون لا تجب ، لأنها لمصلحة دنيوية ولا يعود على من تركها نقصان في الدين . وعد قوم من باب التقية الجائزة مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم والتبسم